الراغب الأصفهاني
413
الذريعة إلى مكارم الشريعة
فضيلة الجود وذم البخل الجود على ألسنة الورى محمود ، ولذلك قيل : كفى بالجود حمدا أن اسمه مطلقا لا يقع إلا في حمد ، وكفى بالبخل ذما أن اسمه مطلقا لا يقع إلا في ذم . وقيل لحكيم : أي فعل للبشر أشبه بفعل الباري تعالى ؟ فقال : الجود . وقال عليه السّلام : « الجود شجرة من أشجار الجنة ، من أخذ بغصن من أغصانها أداه إلى الجنة والبخل شجرة من أشجار النار من أخذ بغصن من أغصانها أداه إلى النار » « 1 » . ومن شرفه أن اللّه عز وجل قرن ذكره بالإيمان ، ووصف أهله بالفلاح ، والفلاح أجمع اسم لسعادة الدارين . فقال : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ إلى قوله : أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ « 2 » ، وقال : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ « 3 » . وحق للجود أن يقترن بالإيمان ، فلا شيء أخص به وأشد مجانسة له منه ، فمن صفة المؤمن انشراح الصدر : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً « 4 » ، وهما من صفات الجواد والبخيل ، لأن الجواد يوصف بسعة الصدر للإنفاق ، والبخيل يوصف بضيق الصدر للإمساك .
--> ( 1 ) بنفس المعنى مع اختلاف يسير في اللفظ روى الدارقطني في الإفراد ، والبيهقي عن علي ، وابن عدي عن أبي هريرة . - كشف الخفاء / 1 / 450 . ( 2 ) البقرة / 3 . ( 3 ) التغابن / 16 . ( 4 ) الأنعام / 125 .